|
كلمة سماحة السيد عمار الحكيم دامت بركاته
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى
آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.
قال تعالى في محكم كتابه الكريم
(ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون ( صدق
الله العلي العظيم).
السلام عليكم ايها الحضور الكريم ورحمة الله وبركاته.
ونحن على أبواب شهر رجب المرّجب نعيش أجواء الذكرى السنوية لأستشهاد آية الله
العظمى المجاهد الكبير السيد محمد باقر الحكيم رضوان الله تعالى عليه.
وهي ذكرى يحسُنُ بنا أن نتوقّف عندها لأحيائها لنستلهم من صاحب الذكرى الدروس
والعبِر ، فقد كانت حياته حافلةً بالجهاد في سبيل الله والعمل من أجل إعلاء
كلمة الدين ، وتحمّل الأذى في سبيل ذلك ، مع الصبر والمصابرة والحلم والمثابرة
من أجل تحقيق الأهداف السامية التي نذر حياته من أجلها.
ان ذكرى استشهاد شهيد المحراب رضوان الله تعالى عليه ، تضعنا دائماً أمام ملمح
جديد من ملامح حياته ومنهجه في العمل لله سبحانه وتعالى ، وإذا كان لنا في هذه
الذكرى أن نختار ملمحاً جديداً من حياته الثرّة بالعطاء ، فهو ملمح الصبر
الطويل مع الثقة بالله عزوجلّ الى جانب المثابرة على العمل والصمود في كل مواقع
المواجهة.
فقد كان رضوان الله عليه يجمع بين صفتين اساسيتين لنجاح أي مشروع وهما الصبر
والعمل من اجل المشروع الذي يؤمن به ، ولم يكن صبره من نوع الصبر السلبي الذي
يؤدي بالأنسان الى ترك الأمور والأنصراف عن المشروع ، بل كان يصبر على كل شئ من
أجل إنجاح مشروعه ، يصبر على الظلم ، يصبر على جهل الجاهلين ، يصبر على كل
أنواع الأذى الذي يلحق به ، والى جانب هذا الصبر يتحرك ويعمل ويجاهد ويوضح
الأمور حتى يتحقق المشروع.
لقد عرفنا شهيد المحراب سواء في بداية شبابه أو في كهولته أو في شيخوخته رجلاً
صبوراً ومجاهدا عنيداً ، لم يستسلم لكل التحديات والصعوبات الكبيرة التي واجهته
في حياته في مختلف المراحل.
وكنّا نشاهده في كل مرحلة من المراحل التي تشتد فيها الأزمات والتحديات أكثر
عزماً على المضي في طريقه الذي اختاره ، لأنه لم يختر طريقه الاّ على بصيرة
وبيّنة من أمره ، ولطالما سمعناه عند إشتداد الأزمات وهو يقول :
( لو تخلّى الجميعُ فسوف أواصل الطريق لوحدي حتى يتحقق المشروع ).
ولنا ان نستشهد بقضية الإعتقال الجماعي لأسرة الإمام الحكيم في مطلع ثمانينات
القرن الماضي ومن ثم استشهاد الستة وبعدهم العشرة من آل الحكيم ، وهي قضية تقصم
الظهر والله وحده يعلم كم كان شهيد المحراب يتألم بسبب هذه القضية التي اقضّت
مضجعه ، لكنه كان يُدرك أن طريقه الذي اختطّه طريق صعب ، وأن مسؤوليته الشرعية
والأخلاقية تُحتّم عليه الاستمرار في الطريق ، ولذلك عندما أطلق صرخة ( هيهات
منا الذلة ) كان يعني ما يقول ، فقد اختصر الموقف كله بهذا النداء الحسيني
الخالد ، فخلق بذلك أُمّة من الناس آمنت به بمنهجه في الصبر والتحمّل والعمل من
أجل قضية مشروعة وهي قضية الخلاص من الظلم والطغيان والقهر والاضطهاد.
لم يكن شهيد المحراب يبحث عن مجدٍ شخصيٍ ، وهو لم يكن بحاجة الى البحث عن هذا
المجد ، وهو يملك من هذا المجد الشئ الكثير ، كما إن مثل هذا المجد الشخصي لا
يستحق منه أن يقّدم من أجله كل هذه التضحيات الجسام ويتحمل من أجله كل هذه
الآلام والمعاناة ، لكنه كان يبحث عن تحقيق رسالة آمن بها ، وهي رسالة الاسلام
الخالدة التي تضمن تحقيق الكرامة للانسان وتمنحه حريته المشروعة وتحقق العدل في
المجتمع، وهو مشروع يستحق الكثير من التضحيات والآلام.
ومن هذا المنطلق الرسالي العظيم واصل شهيدنا الخالد مشواره الطويل ، حتى يمكن
القول أ،ه انطلق بمشروعه فرداً أو مجموعة من فرادى آمنوا معه بالمشروع ، وحين
أستُشهد كان مشروعه مشروع أُمّة كبيرة من الناس ، وحين استُشهد بقي المشروع
قويا صُلباً متماسكاً معطاءً ، بفضل الايمان العميق الذي زرعه في نفوس الأُمة
بهذا المشروع.
وكل ذلك يدفعنا الى القول إن شهيد المحراب رضوان الله تعالى عليه يمثّل لنا
قدوة واُسوة علينا أن ننهل من ينبوعها الصافي الكثير من الدروس والعبر ونحن
نسير بمشروعه الذي اختطّه وضحّى من أجله ، وهذا يستدعي منّا ان نستذكره في كل
خطواتنا ونحن نسير في هذا الطريق الوعر والشائك ، وعلينا أن ندرس حياته ومواقفه
بالكثير من التبصّر والأناة والاستمرار ، وعلينا ان لا نجعل من حياته مجرد ذكرى
نحتفي بها في كل عام ، بل علينا أن نستلهم من سيرته العطرة ما يجعلنا دائما في
موقع القرب من الله سبحانه وتعالى كما كان يحرص هو رضوان الله عليه في كل
مواقفه وخطواته ومشاريعه.
وعلى هذا الصعيد أدعو جميع الحريصين و المحبين لهذا الشهيد الكبير الى القيام
بتسجيل ونشر وقائع حياته من أفواه الرجال الذين عايشوه وعاصروه وعملوا معه أو
التقوا به من مختلف الطوائف والقوميات من العراقيين وغير العراقيين.
لقد حرص شهيد المحراب على إزاحة النظام الصدّامي البائد عبر إرادة الشعب
العراقي، وإقامة نظام بديل يقوم على أساس الأختيار الحُرّ للعراقيين عبر
الانتخابات ، مؤكداً على إحترام هوية الشعب العراقي و واقعياته.
كما كان يؤكد على ضرورة مشاركة كل العراقيين في الجهد المعارض للنظام الرامي
الى تغييره وإحلال النظام البديل ، ومن هذا المنطلق كان يحرص كل الحرص على
إشراك كل المكونات العراقية في المؤتمرات التي تقيمها المعارضة العراقية في كل
مراحل عملها .
وبفضل هذه الجهود الكبيرة والعظيمة استطاع ان يُقرّب وجهات النظر بين مختلف
الأطراف السياسية ، حتى تحوّلت المعارضة العراقية الى كيان حقيقي نال الاعتراف
الدولي والعربي ، مما ساهم بشكل كبير في عُزلة النظام الصدامي على الصعيدين
الداخلي والخارجي ، وهو الأمر الذي سهّل عملية اسقاطه عام 2003.
إننا اليوم ايها الحضور الكريم نعيش ذكرى استشهاد هذا القائد العظيم والشجاع ،
علينا أن نستذكر هذه المعاني الكبيرة في حياته وعطائه ، ونعمل من أجل الأستمرار
بهذا المنهج ، منهج إعطاء كل ذي حقٍّ حقّه ، منهج التقريب لا منهج التشتيت
والتفريق ، منهج المشاركة لا منهج الاستفراد والتفرد ، فبهذا المنهج نتغلب على
الصعوبات التي تواجهنا اليوم في المشهد السياسي العراقي.
إننا اليوم أيُّها الاخوة والأخوات نحتاج الى جهودٍ تساعد في إيجاد الحلول وليس
الى جهود تساهم في خلق الأزمات وتوسيعها ، فمصالح شعبنا العراقي تدعو جميع
المخلصين الى العمل من أجل تقديم الحلول للأزمات التي أخذت بخناق هذا الشعب منذ
عقود ولحدّ الآن.
لقد انجز شعبنا مهمته على أحسن وجه حين اختار ممثليه في مجلس النواب ، وعلينا
أن ننجز مهمتنا ايضاً على أحسن وجه .
وعندما ذهب العراقيون الى صناديق الإقتراع فأنهم فعلوا ذلك بوحيٍ من شعورهم
بمسؤوليتهم وأعتزازاً بحقّهم الدُستوري وهم يأملونَ مِن ذلك أن يشهدوا قِيام
حكومةٍ وطنيةٍ تُعبّر عن طُموحاتِهم المشروعةَ فيْ الحياةِ الحُرّةِ الكريمةْ.
إن ما يحتاجه شعبنا هو حكومة تُشعرهم بأنها ما جاءت الاّ من أجل خدمتهم ـ ترفع
عنهم المعاناة ، وتقدّم لهم الخدمات ، تحفظ كرامتهم وتدافع عنهم أينما كانوا ،
تحاسب المقصّر والمسئ بحجم تقصيره وإساءته ، وتعمل من أجل إقامة علاقات طيبة مع
دول الجوار و العالم ، وتعود بالعراق الى موقعه الصحيح في المجتمعين الدولي
والاقليمي، تعزز استقلاله وإرادته الحرة النابعة من الحرص على مصالح العراق قبل
مصالح الفئات والأفراد.
إن شعبنا ينتظر بفارغ الصبر إجتماع مجلس النواب ليقرر تشكيل الحكومة القادمة
التي ينتظر منها الكثير من الإنجازات على كل الأصعدة ، وينتظر من مجلس النُوّاب
أيضاً أن يكون مُعبّراً حقيقياً عن طموحاته وآمالهِ من خلال ممارسة دوره
التشريعي والرقابي جنباً الى جنب ، لأن ممارسة مجلس النواب للدورين معاً هو
الضمانة التي تساهم في فاعلية السلطة التنفيذية في تنفيذ المشاريع التي تخدم
العراق والعراقيين أولاً وقبل كل شئ.
إننا نأمل في أن تشهد العملية السياسية حِراكاً جديداً ومتسارعاً من أجل تشكليل
الحكومة بعد أن تمّت المُصادقة على نتائج الانتخابات التشريعية بعد أن أخذت
فترة زمنية طويلة ليس لها مثيل في العالم.
أن الديمقراطية تُعطي الحق للجميع في السعي لتحقيق الطموحات المشروعة في الاطار
القانوني والدستوري ، وأن السعي للوصل الى السلطة هو من هذه الطموحات المشروعة
، ولولا ذلك فما فائدة الانتخابات ، لكن من غير المشروع الالتفاف على القانون
والدستور من أجل الوصول إلى السلطة ، وعندما يحصل ذلك فعلينا ان نستشعر الخطر
لأن التجربة الديمقراطية ستكون في خطر ، وعندها فأن مصالح العراق وشعبنا ستكون
في خطر أيضاً.
ان المجلس الأعلى الأسلامي العراقي يسعى جاهداً من أجل التمسك بالمنهج التقريبي
الذي اختّطهُ والتزمهُ شهيد المحراب رضوان الله تعالى عليه رغم صعوبته وثمنه
الباهض ، لكنه يدرك إن هذا المنهج هو الذي يخدم مصالح العراقيين جميعاً ، وهو
الذي يخلق الشعور الحقيقي بالوحدة الوطنية والحرص على مصالح الجميع.
ولابد لي في الختام أن اتقدم بالشكر والامتنان لكل الذين ساهموا بأقامة هذا
الاحتفال والاحتفالات الاخرى في مختلف انحاء العالم بهذه الذكرى الاليمة، سائلا
العلي القدير ان يتقبل اعمالهم بأحسن القبول.
كما أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد شهيد المحراب والشهداء الذين استشهدوا
معه برحمته الواسعه ، كما يتغمد كل شهداء العراق وفي مقدمتهم المراجع الشهداء
برحمته ورضوانه.
وأسأل الله العلي القدير ان يحفظ مراجعنا العظام وعلمائنا الأعلام وفي مقدمتهم
سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني ( دام ظله العالي).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السيد عمار الحكيم
رئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي .
بغداد في
رجب
1431هـ الموافق 13حزيران 2010م .
|